أراء ورؤى

الحكمة من إقامة ندوات التشغيل

بقلم :

خليل بن عبدالله الخنجي

ثلاث ندوات لتشغيل القوى العاملة الوطنية أقيمت خلال خمس سنوات من 2001 إلى 2005 ولكن لماذا؟ لأن تشغيل المواطنين هو الهم الأول لأي حكومة وفي أي دولة؛ لذلك كان اهتمام السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- ومن بعده انتهج حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله وسدد خطاه- نفس الأهمية في تشغيل الشباب؛ لذلك وجه السلطان الراحل بإقامة الندوة الأولى لتشغيل القوى العاملة في كل من ولايتي صحم وعبري، بغية مشاركة أكبر عدد من شرائح المجتمع، وذلك عندما أمر معالي مالك بن سليمان المعمري رئيس مجلس المناقصات (آنذاك) وسعادة جمعة بن علي آل جمعة أمين عام مجلس المناقصات في ذلك الوقت، بالإعداد لإقامة ندوة شاملة لتشغيل القوى العاملة الوطنية خاصةً تشغيلهم في المشاريع الحكومية التي يسندها مجلس المناقصات لشركات القطاع الخاص.

بدأ الإعداد للندوة الأولى بدعوة أصحاب وصاحبات الأعمال ممثلين في غرفة تجارة وصناعة عمان ومجلس رجال الأعمال وبعض الجهات الحكومية ذات الشأن بتشغيل القوى العاملة وممثلين عن المشتغلين في القطاعين العام والخاص وذلك بتشكيل لجنة علمية برئاسة سعادة السيد حمد بن هلال البوسعيدي وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل (وقتذاك)، وذلك للإعداد الجيد ووضع جدول أعمال الندوة والمحاور التي سوف تناقشها ورش العمل المصاحبة للندوة. وبعد عدة اجتماعات مكثفة توصل أعضاء اللجنة العلمية إلى أجندة كاملة لإقامة الندوة الأولى لتشغيل القوى العاملة الوطنية في مرحلتين الأولى في صحم والثانية في عبري؛ حيث تلي البيان الختامي في اليوم الأخير من أيام الندوة بعد اعتماد السلطان قابوس لها؛ مما أعطى تلك التوصيات زخمًا كبيرًا وتحديًا عمليًا لإنجازها.

وأُقيمت الندوة الأولى تحت الرعاية السامية للسلطان الراحل أثناء المخيم السلطاني في سيح الطيبات بولاية صحم في أكتوبر من العام 2001؛ وذلك بمشاركة جميع أطراف الإنتاج وبحضور كثيف من شرائح المجتمع من وزراء وولاة ووجهاء ومشايخ وأصحاب أعمال وعمال وطلاب المدارس والمعاهد والكليات وأولياء أمورهم ومسؤولين حكوميين بكل المستويات وذلك تحت شعار “سنعمل” الذي تم تصحيحه لاحقًا بكلمة “نعمل” تشجيعًا للشباب والشابات للعمل في كل المواقع والظروف وفي الحرف والمهن والوظائف التي يتيحها القطاع الخاص من خلال مؤسساته وشركاته وكذلك فرص التشغيل الذاتي بممارسة تجارة التجزئة والخدمات المتنوعة والاستفادة من تلك التي تجد الحماية والدعم والتمويل من قبل الحكومة.

ومن أبرز ما أوصت به الندوة الأولى الإعلان عن مشروع “سند”، الذي تحول بعد ذلك إلى برنامج سند، وذلك من أجل تعمين بعض المهن منها تعمين قطاع بيع المواد الغذائية وذلك لأهمية تجارة الغذاء بالنسبة للأمن الغذائي وبالفعل تم التطبيق الفعلي لهذه التوصية المهمة، وذلك نتيجة رسم خارطة طريق محكمة بحيث يتدرج التعمين في ولايات أربع كمرحلة أولى؛ وهي ولايات: نزوى ونخل والرستاق وقريات تحت إشراف وزارة القوى العاملة- آنذاك- وبتعاون مهم من القطاع الخاص، خاصةً تجار الجملة المعروفين الذين أبدوا تجاوبًا كبيرًا وغير محدود لخلق جيل جديد من التجار وذلك في تجربة فريدة من نوعها لتنظيم سوق العمل في قطاع تجارة المواد الغذائية بالتجزئة.

كانت هناك توصيات مهمة أخرى تم تطبيقها من خلال الندوة الأولى تفاوتت نتائجها بسبب مختلف الظروف منها صعوبة التدريب في الداخل لقلة مراكز التدريب المتخصصة في ذلك الوقت أو عدم كفاءتها لذلك لجأت الوزارة لابتعاث مجموعات من المتدربين والمتدربات إلى الخارج للتدريب في مهن متنوعة من أجل تعمين بعضها بالتدرج في بعض الولايات وبموافقة المجتمع المحلي الذي تشجع لخوض هذه التجارب الممكنة للذات والاقتصاد المحلي.

أما الندوة الثانية لتشغيل القوى العاملة الوطنية، فقد أقيمت في ولاية إبراء تحت شعار “شراكة في التدريب والتشغيل” وذلك في فبراير 2003، من خلال مناقشة 11 محورًا تدور جلها حول تقييم برنامج سند وتعمين قطاع المواد الغذائية وقطاعات السفر والسياحة والصناعة والنقل والملاحة وتقنية المعلومات والاتصالات وبيع وتصليح السيارات والكهرباء والماء والنفط والغاز التي من خلال ورش العمل المكثفة تم التوصل إلى توصيات بآليات تنفيذ وتواريخ محددة للإنجاز.

بينما الندوة الثالثة لتشغيل القوى العاملة الوطنية أقيمت على مرحلتين، المرحلة الأولى في سيح الصالحات بولاية شناص، خلال الفترة من 31 يناير 2005 وحتى 2 فبراير. والمرحلة الثانية أُقيمت في سيح المسرات بولاية عبري، خلال الفترة من 15 وحتى 17 فبراير من ذات العام، تحت شعار “نحو استراتيجية لتنمية وتشغيل القوى العاملة الوطنية”، بما يضمن التحرك المنسجم مع الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني والاستراتيجية التنموية.

من المهم القول إن ما ميّز الندوات الثلاثة هو حضور أقطاب السياسة والاقتصاد والإدارة الاجتماعية؛ مما ممكن الحاضرين من استيعاب الفرص الاقتصادية والتحديات التي تواجهها ومناقشتها مع المستفيدين من برامج التشغيل والتدريب، من أجل الوصول إلى حلول جذرية عملية قابلة للتنفيذ، وبتوافق الجميع واستمرار مراجعتها وتقييمها من خلال اللجان القطاعية التي يشترك في عضويتها أطراف الإنتاج الثلاثة.. هكذا كانت تتخذ القرارات المتعلقة بشؤون العمل والعمال وأصحاب العمل؛ لذلك من الضروري عند اتخاذ القرارات العودة إلى أسلوب المشاركة المجتمعية، وليس من خلال ورش عمل محدودة؛ كي لا يتم التراجع عن القرارات عند اتخاذها.

إنَّ الحكمة من عقد ندوات التشغيل تتمثل في المشاركة المجتمعية الواسعة للأفراد من مسؤولين وأصحاب عمل وذوي الخبرة والدراية والعمال، بهدف الوصول إلى قناعات بأن القرار المتخذ هو لصالح الجميع، وليس لطرف على حساب أطراف أخرى.

** الرئيس الأسبق لغرفة تجارة وصناعة عمان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى