أراء ورؤى

ضرورة البناء على تجارب “منصات الحوار الاقتصادي” في عُمان

بقلم :

خليل بن عبدالله الخنجي

تتسابق الحكومات لتمكين القطاع الخاص من أداء مهامه في بيئة جاذبة وسهلة لما في ذلك من إيجابيات كبيرة على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للدول، وقد تصطدم هذه المراحل من العمل بأحداث معينة مثل الحروب والأوبئة أو انخفاض في حركة الأسواق التجارية والصناعية أو أسواق المال.

فمثلًا في هولندا وفي العام 1930، اجتمع أصحاب الأعمال والعمال من دون عضوية الحكومة للتنسيق فيما بينهم على العمل لتذليل الصعوبات والمُعوقات التي تحول دون إعادة النشاط للأسواق التجارية والمعامل بعد “الكساد العظيم” الذي عمَّ العالم ومنه هولندا في تلك الفترة، نتيجة تبعات الحرب العالمية الأولى، وقد أسفرت تلك الشراكة عن العديد من الإيجابيات لتنظيم العمل بما يُحقق مصلحة جميع أطراف الإنتاج، مما حدا بالحكومة الهولندية للانضمام لذلك التكتل في العام 1950، وبذلك تم تأسيس المجلس الاجتماعي الاقتصادي وهو المجلس الاستشاري الاجتماعي الاقتصادي الرئيسي لحكومة هولندا، وبات رسميًا الكيان الذي يُمثل الشركاء الاجتماعيين واتحاد نقابات العمال ومنظمة أصحاب العمل؛ حيث شكل التنظيم الجوهري لاقتصاد السوق الهولندي، علمًا بأنَّه توجد كيانات مماثلة في أكثر من 60 دولة منها سنغافورة التي تم إيفاد وفد عماني لها يمثل أطراف الإنتاج، وذلك قبل عدة سنوات؛ للاطلاع على تجربتها بعد أن اطلع نفس الوفد على التجربة الهولندية المماثلة.

وإذا كان لكل مرحلة من مراحل العمل متطلباتها وضرورياتها، فمثلاً في عمان كان تجار السوق هم الأقرب للحاكم؛ لأنهم هم من يجلبون البضائع من منتجات غذائية وأدوات البناء والمعدات الزراعية والتصنيع الحرفي والحدادة، لتكون متاحة للناس، وفي نفس الوقت يدفعون التجار مقابل تلك الواردات والصادرات الدخل الوحيد للدولة العمانية، وهو ما يسمى بـ”العشور”، من خلال دفع نسبة مئوية من الجمارك لخزينة الدولة، وبالتالي هذه الأموال المجمعة تدعم أركان الدولة بالحفاظ على حدودها وأمنها وإدارة شؤونها من خلال أفراد الحكومة من مدنيين وعسكريين.

وكان للتجار وأصحاب الأعمال دور في ازدهار الدولة؛ حيث يحيط الحاكم نفسه بتجار البلاد والحكماء والمثقفين وأهل الخبرة والدراية كمستشارين غير رسميين، ينقلون له مرئياتهم عن وضع البلاد وأخبار التجارة والأسفار، ويسدي الحاكم لوزرائه وولاته في الأمصار الأوامر بعد أن يستمع لجميع الأطراف، وبذلك يتم التشارك بالرأي بطريقة سهلة وبسيطة تصلح لتلك الأزمنة. وكانت التجارب تتطور ويُبنى عليها بسبب تغير الظروف والمتطلبات وحسب تقدم العلم ووجود المختصين في المراحل المختلفة. ومع اطلاع أفراد الحكومة على تجارب الدول الشقيقة والصديقة في شأن الحوار الاجتماعي الاقتصادي ومن خلال مشاركتهم في مؤتمرات الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة تم إنشاء بعض اللجان والمجالس المعنية بذلك لاحقاً لتخدم مسيرة الحكومة العصرية التي بدأت أعمالها الحقيقية في العام 1975 بعد انتهاء “حرب ظفار”.

ومع تقدم العمل وضرورة التجديد في كيانات الدولة الناهضة وتحديدًا في العام 1979 تمَّ بأمر سامٍ من السلطان قابوس بن سعيد- رحمة الله عليه- تشكيل مجلس الزراعة والأسماك والصناعة بعضوية 12 شخصية من الحكومة والقطاع الخاص، اختارهم السلطان من بين 18 مرشحاً تمَّ ترشيحهم من جهات مختلفة، وتم تعيين رجل الأعمال الحاج علي سلطان بصفته رئيسًا لغرفة تجارة وصناعة عمان في تلك الفترة، وذلك من أجل أن يلعب القطاع الخاص دورًا في تنمية القطاعات المعنية وكان المجلس يرفع توصياته مباشرة لجلالة السلطان المُعظم ليأخذ جلالته القرارات الاقتصادية المناسبة.

وفي نهاية العام 1981 تمَّ تشكيل المجلس الاستشاري للدولة بديلًا عن مجلس الزراعة والأسماك والصناعة بعدد 17 عضوا من الحكومة و28 عضوًا من ذوي الخبرة والمعرفة ومن أهل الرأي من أعيان البلاد ورجالات القطاع الخاص؛ حيث ترأس معالي خلفان بن ناصر الوهيبي المجلس، وعُين الحاج علي سلطان نائبًا له، واستمر المجلس عدة سنوات يرفد الدولة بأفكار اقتصادية واجتماعية ساعدت مراحل التنمية في البلاد وأسهمت في كثير من المبادرات والمشاريع التي أقيمت في تلك المرحلة من بناء الدولة الفتية التي بدأت في 23 يوليو 1970.

أما في عام 1999، فتم إنشاء مجلس التنسيق الاقتصادي برئاسة معالي السيد سيف بن حمد بن سعود البوسعيدي وزير ديوان البلاط السلطاني بموجب مرسوم سلطاني سام، بالتوازي مع قرار إنشاء مجلس رجال الأعمال. وقد جاء في اختصاصات مجلس التنسيق الاقتصادي التالي: النظر في جميع المسائل الاقتصادية، وما يعترض مسيرة التطور الاقتصادي من معوقات، واقتراح الحلول الناجعة لتنشيط الاقتصاد الوطني بوجه عام، وتذليل الصعوبات التي يواجهها القطاع الخاص في بعض المجالات بوجه خاص، كما يختص بتمثيل الحكومة في الاجتماعات المشتركة التي تعقد مع مجلس رجال الأعمال، وغير ذلك من المسائل والموضوعات التي يكلفه بها جلالة السلطان على أن يجتمع المجلسان بصفة دورية لمُناقشة ما جاء في اختصاصات المجلسين ولكن مع الأسف لم يجتمع المجلسان معاً بحسب ما قرر لهما إلا مرة واحدة.

وتم إنشاء مجلس رجال الأعمال بقرار ديواني بناءً على أمر من جلالة السلطان قابوس طيب الله ثراه في 22 نوفمبر من العام 1999 بعضوية 16 عضوًا من القطاع الخاص الذين انتخبوا في أول اجتماع لهم الشيخ يعقوب بن حمد الحارثي رئيسًا للمجلس لمدة 3 سنوات، وكذلك تم انتخاب نائبٍ للرئيس وأمين السر الناطق الرسمي باسم مجلس رجال الأعمال؛ حيث التزم أعضاء المجلس بعقد اجتماعات دورية، انبثق عنها كثير من التوصيات التي تم رفعها إلى مجلس التنسيق الاقتصادي حتى انتهاء فترة المجلس في عام 2002 ولم تجدد فترته مرة أخرى لأسباب مجهولة، وبذلك توقف أداء مجلس رجال الأعمال بينما استمر مجلس التنسيق الاقتصادي الذي ترأسه معالي السيد علي بن حمود البوسعيدي خلفاً للسيد سيف بن حمد بن سعود الذي وافاه الأجل في الأول من نوفمبر 2001، ولكن المجلس تعثر أيضاً بسبب توقف حركة جناحه الآخر وهو مجلس رجال الأعمال ممثل القطاع الخاص.

وبعد 2011، تم تشكيل لجان الشراكة تحت مظلة ديوان البلاط السلطاني واستمرت أعمال لجان الشراكة في اجتماعاتها حتى نهاية 2019، بعد أن رفعت عدة توصيات انبثقت عن اجتماعاتها الدورية المكونة من 6 وزراء يقابلهم 6 من أصحاب الأعمال، وفي المقابل تم تشكيل لجان قطاعية تمثل الصناعة والتجارة والتأمين والمصارف والسياحة والزراعة والمقاولات والكهرباء والمياه والنفط والغاز والاتصالات والنقل، إلى آخره من قطاعات، برئاسة القطاع الخاص، قبل أن يرأسها وكلاء الوزارات المعنية لعدة سنوات، إضافة للجنة الرئيسية للقطاعات برئاسة وزير القوى العاملة (آنذاك) وعضوية كل من وزير التجارة والصناعة ورئيس غرفة تجارة وصناعة عمان ورئيس اتحاد العمال ورؤساء اللجان القطاعية وآخرين.

أما الفترة الحالية والمستقبلية وما تحمله من فرص وتحديات فتستوجب البناء على التجارب السابقة التي مرت بها عمان من مجالس ولجان متنوعة في سبيل تقريب وجهات النظر بين أطراف الإنتاج الذي يدعم تشكيل مجلس استشاري يضم في عضويته ذوي المعرفة والخبرة والدراية بالشأن الاقتصادي ليكون هذا الجهد رديفاً للجهود التي تبذلها الحكومة وصمام أمان للقرارات الوزارية التي تقرها الجهات المختلفة قبل صدورها والتي قد تعرقل سير عمل القطاع القطاع الخاص الذي يجد تحديًا كبيرًا في ممارسة أعماله بسبب كثرة القرارات التي يستوجب التعامل معها وعبء تكلفتها على الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المدى القصير والمتوسط وكذلك يجب إعادة تفعيل لجنة الحوار الاجتماعي التي تضم في عضويتها ممثلين عن أطراف الإنتاج الثلاثة وزارة العمل وغرفة تجارة وصناعة عمان والاتحاد العام لعُمال سلطنة عُمان من أجل تقريب وجهات النظر في القضايا العمالية التي تستدعي التدخل المباشر، بعيدًا عن المحاكم، ولكل هذه الأسباب يجب البناء على تجارب “منصات الحوار الاقتصادي” في عُمان.

** الرئيس الأسبق لغرفة تجارة وصناعة عُمان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء اغلاق حاجب الاعلانات